وريث الشجرة الأبدية

الفصل الأول

بقلم عمّار · قرابة ٨ دقائق قراءة

طق… طق… طق…

ترددت طرقات متتابعة على الباب الخشبي، أعقبها صوت امرأة بدا أنها في الأربعينيات من عمرها:

«لين جيانمو، هيا استيقظ! لقد تأخر الوقت.»

فتح لين جيانمو عينيه ببطء. تسللت أشعة الشمس عبر الشقوق الصغيرة المنتشرة بين ألواح الجدار الخشبي، وسقط أحد خيوط الضوء مباشرة على عينيه، فأجبره على إغلاقهما مجددًا.

«آخ… رأسي يؤلمني.»

كان صوت رنين حاد يتردد داخل جمجمته، بينما بدت رؤيته ضبابية وغير مستقرة. حاول رفع رأسه، لكن دوارًا مفاجئًا اجتاحه، فاضطر إلى الاتكاء على حافة السرير

أخذ نفسًا عميقًا وانتظر عدة لحظات حتى هدأ الرنين تدريجيًا. رفع رأسه ونظر حوله. كانت الغرفة صغيرة، لا تتجاوز مساحتها أربعة أمتار طولًا وعرضًا. جدرانها وأرضيتها مصنوعتان من الخشب القديم، ولم يكن بداخلها سوى سرير قاسٍ، وخزانة متواضعة، وطاولة منخفضة وُضع فوقها مصباح زيتي مطفأ.

لم يكن هناك أي جهاز كهربائي، ولا مصابيح، ولا نوافذ زجاجية، ولا شيء يشير إلى العصر الحديث. تجمّد مكانه.

«أين أنا؟»

حاول استعادة ما حدث، فتدفقت بعض الذكريات المتقطعة إلى ذهنه. كان في التاسعة والعشرين من عمره، ويعمل مهندسًا في مجال الطاقة النووية. وفي آخر ذكرى واضحة لديه، كان يجلس داخل حافلة برفقة عدد من أصدقائه.

بعد ذلك… لا شيء. فراغ كامل.

وضع يده على رأسه محاولًا تذكر المزيد، لكن الألم ازداد كلما حاول إجبار ذاكرته.

عندما بدأت الرؤية تستقر، خفض نظره نحو يديه. توقفت أنفاسه. كانت أصابعه أنحف مما يتذكر، وبشرته ناعمة خالية من آثار العمل والإصابات الصغيرة التي اعتاد رؤيتها على يديه. حتى ذراعاه بدتا أصغر حجمًا، وكأنهما تعودان إلى مراهق لم يكتمل نموه بعد.

«هذه… ليست يداي.»

نهض عن السرير بسرعة، لكنه كاد يسقط عندما لم تستجب ساقاه بالطريقة التي توقعها. تمسك بالجدار، ثم أخذ يبحث في الغرفة بعينين مضطربتين، حتى لمح مرآة نحاسية صغيرة معلقة بجوار الخزانة.

اقترب منها بخطوات مترددة. ظهر في سطحها المصقول وجه غريب تمامًا عنه. كان وجه فتى في السابعة عشرة تقريبًا، ببشرة صافية وملامح دقيقة ومتناسقة. تدلت خصلات شعره الفضي حتى تجاوزت كتفيه بقليل، بينما بدت عيناه واسعتين وحادتين في الوقت نفسه.

لم يكن في وجهه أي أثر لندبة أو تشوه. بل كان جميلًا بصورة لافتة إلى درجة أنه لو ظهر في عالمه السابق، لظنه الناس عارض أزياء أو ممثلًا مشهورًا.

لكن لين جيانمو لم يشعر بأي سعادة تجاه ذلك. رفع يده ولمس وجهه. تحرك الفتى الموجود في المرآة بالطريقة نفسها.

«من هذا؟»

تسارعت دقات قلبه.

«أين أنا؟ وما الذي حدث لجسدي؟»

بدأ تنفسه يضطرب، وشعر بأن جدران الغرفة تضيق من حوله. اجتمع الخوف والارتباك والدوار في لحظة واحدة، فانحنى فجأة وتقيأ بجوار السرير.

ظل على ركبتيه لبعض الوقت، يحاول التقاط أنفاسه وتهدئة نفسه. لقد تدرب طوال حياته على التعامل مع الأنظمة الخطرة والحالات الطارئة. وكان يعلم أن الذعر لن يمنحه أي إجابة.

أغمض عينيه وأجبر نفسه على التفكير بهدوء. الحقائق التي يعرفها بسيطة. هذا ليس جسده. وهذا ليس مكانًا يعرفه. أما كيفية وصوله إلى هنا، فلا يملك عنها أي معلومة.

فتح عينيه مجددًا، ومسح فمه بقطعة قماش وجدها قرب السرير، ثم اتجه نحو الباب. كان عليه أن يجمع المعلومات أولًا. فتح الباب الخشبي، فصدر عن مفاصله صوت احتكاك خافت. وجد نفسه في ممر قصير يقود إلى غرفة معيشة متواضعة.

كان هناك رجل يجلس بجوار طاولة خشبية مستديرة. بدا الرجل في منتصف الأربعينيات من عمره. كان طويل القامة، قوي البنية، وله شعر فضي قصير يشبه لون شعر الجسد الذي يسكنه لين جيانمو الآن.

كما حملت ملامحه شبهًا واضحًا بوجه الفتى الذي رآه في المرآة. عندما رآه الرجل، ارتخت ملامحه وقال:

«آه، لقد استيقظت أخيرًا. كنا على وشك البدء بتناول الطعام.»

ظل لين جيانمو واقفًا عند مدخل الغرفة، يراقبه بحذر. سأله بوجه جاد:

«من أنت؟ وأين أنا؟»

توقفت ابتسامة الرجل.

«ماذا؟»

نظر إليه باستغراب، ثم نهض عن مقعده.

«هل هناك خطب ما يا جيانمو؟ كيف تسأل والدك من يكون؟»

ردد لين جيانمو الاسم في داخله. جيانمو… هل هذا اسم صاحب هذا الجسد؟ والرجل الذي أمامي هو والده؟

قبل أن يتمكن من الرد، خرجت امرأة من الغرفة المجاورة وهي تحمل طبقًا من الطعام. بدت هي الأخرى في الأربعينيات، لكنها احتفظت بجمال لافت. كان قوامها رشيقًا، وبشرتها بيضاء صافية، ولها عينان خضراوان وشعر طويل أشقر يميل إلى البني. عندما رأته، ابتسمت ونادته بصوت دافئ:

«مومو، لقد جهزت الطعام. تعال واجلس مع والدك قبل أن يبرد.»

نظر لين جيانمو بينها وبين الرجل. كان لديه عدد لا يحصى من الأسئلة، لكنه لم يعرف من أين يبدأ. سار نحو الطاولة بصورة شبه آلية وجلس أمامهما. وُضعت على الطاولة أطباق بسيطة من الأرز والخضراوات وبعض شرائح اللحم.

لكن قبل أن يبدأ أي منهما بتناول الطعام، قال لين جيانمو:

«أبي… أمي…»

ترددت الكلمات على لسانه، إذ كانت غريبة بالنسبة إليه، لكنه أكمل:

«أنا لا أتذكر أي شيء. أعتقد أنني فقدت ذاكرتي.»

ساد الصمت.

نظر الأب إليه عدة لحظات قبل أن يعبس.

«لا ينبغي المزاح في أمور كهذه يا بني.»

هز لين جيانمو رأسه وقال بجدية:

«أنا لا أمزح. لا أتذكر هذا المنزل، ولا أعرف من أنتما، ولا أتذكر حتى اسمي قبل أن تناديني به.»

راقبه والده بعناية. كان يعرف أن ابنه لا يجيد الكذب، وأن تعابير وجهه تفضحه كلما حاول المزاح أو إخفاء شيء. لكن الوجه الذي أمامه الآن لم يحمل أي أثر للمزاح. اقترب منه وسأله بقلق:

«هل حدث لك شيء ليلة أمس؟ هل سقطت أو ضربت رأسك؟»

«لا أعلم. لا أتذكر شيئًا.»

وضعت والدته الطبق الذي تحمله بسرعة، ثم اقتربت منه ولمست جبهته.

«حرارته طبيعية…»

نظرت إلى زوجها والقلق يملأ عينيها.

«علينا أن نأخذه إلى الطبيب.»

أومأ الأب وقال:

«سنتناول شيئًا سريعًا، ثم نذهب إليه فورًا.»

لم يستطع لين جيانمو تذوق الطعام، لكنه أجبر نفسه على تناول بعض اللقم حتى لا يثير قلقهما أكثر. كان يراقب كل شيء حوله في صمت؛ الأواني الخزفية، والملابس الطويلة التي يرتديانها، وطريقة إعداد الطعام، وحتى الكلمات التي يستخدمانها. المثير للغرابة أنه كان يفهم لغتهما ويتحدث بها بصورة طبيعية، رغم أنه كان متأكدًا من أنه لم يسمعها في حياته السابقة.

بعد انتهائهم من الطعام، خرج لين جيانمو برفقة والده. وما إن عبر عتبة المنزل حتى توقف مكانه. امتدت أمامه بلدة مبنية في معظمها من الخشب والحجر. كانت الطرق مرصوفة بألواح غير منتظمة، وعلى جانبيها متاجر صغيرة تتدلى فوقها لافتات تحمل رموزًا غريبة استطاع قراءتها دون صعوبة. كان الناس يرتدون ملابس طويلة تشبه الملابس التقليدية القديمة، ويتنقل بينهم عدد من العربات التي تجرها حيوانات لم يرَ مثلها من قبل.

لكن أكثر ما لفت انتباهه كان السماء. كانت هناك شمس صفراء واحدة، إلا أن قمرين ظهرا في وضح النهار؛ أحدهما أبيض باهت، والآخر أزرق بلون السماء العميقة. ظل يحدق فيهما غير مصدق.

قمران؟

حاول عقله تحليل ما يراه بصورة غريزية. كان حجماهما الظاهريان كبيرين، وبدا أنهما قريبان نسبيًا من هذا الكوكب. وجود قمرين لم يكن مستحيلًا من الناحية العلمية، لكن مداريهما وتأثير جاذبيتهما في الكوكب سيصنعان نظامًا فلكيًا مختلفًا تمامًا عن الأرض.

قال والده بعدما لاحظ توقفه:

«هل نسيت حتى شكل السماء؟»

ثم أشار إلى الطريق أمامهما.

«هيا، الطبيب ليس بعيدًا.»

سار لين جيانمو إلى جانبه، بينما كان يراقب العالم المحيط به بعينين لا تفوتهما أي تفصيلة.

وصل الاثنان إلى عيادة صغيرة بعد نحو خمس دقائق. كان الطبيب رجلًا مسنًا ذا لحية رمادية، يرتدي رداءً أزرق داكنًا.

وبعد أن شرح له والد جيانمو ما حدث، طلب الطبيب من الفتى الجلوس ومد ذراعه نحوه. وضع إصبعين بالقرب من معصمه، كما لو كان يتحسس نبضه.

في اللحظة التالية، شعر لين جيانمو بشيء دافئ يتسلل عبر جلده. انتفض وسحب يده فورًا.

«ماذا فعلت؟»

نظر الطبيب إليه باستغراب، ثم قال بنبرة هادئة:

«لا تقلق. إنها مجرد طاقة داخلية أستخدمها لفحص جسدك.»

«طاقة داخلية؟»

نظر لين جيانمو إلى يده. لم يكن ما شعر به حرارة عادية أو تيارًا كهربائيًا. كان أشبه بخيط حي تحرك داخل ذراعه بإرادة خاصة.

مد الطبيب يده مجددًا.

«أعطني يدك. لن يؤلمك الأمر.»

تردد لين جيانمو، لكنه سمح له في النهاية بالإمساك بمعصمه.

تدفقت الطاقة مرة أخرى. شعر بها تتحرك داخل ذراعه، ثم تنتشر في صدره وبطنه ورأسه. كان الإحساس غريبًا، كأن أفعى دافئة تزحف داخل جسده، لكنه لم يكن مؤلمًا، بل منحه راحة خفيفة.

بعد عدة دقائق، سحب الطبيب يده وعقد حاجبيه.

«لا توجد إصابة في جسده، كما أن تدفق الدم والطاقة طبيعيان. لم أجد شيئًا يفسر فقدان ذاكرته.»

سأله والده:

«هل يمكن علاجه؟»

هز الطبيب رأسه ببطء.

«لا أستطيع معرفة السبب. ربما تعرض رأسه لضربة ولم تترك أثرًا واضحًا. سأعطيه بعض حبوب فراشة العقل؛ ستساعده على تهدئة ذهنه والاسترخاء. ربما تعود ذكرياته مع مرور الوقت.»

شكر والده الطبيب، ودفع ثمن الدواء، ثم خرجا من العيادة.

أثناء عودتهما، كان لين جيانمو شارد الذهن. طاقة داخلية… لم يجد تفسيرًا علميًا فوريًا لما شعر به، لكنه كان متأكدًا من أنه لم يكن خدعة.

وبينما كانا يسيران، مر بهما شابان يرتديان ملابس متشابهة، وقد عُلقت سيوف طويلة عند خصريهما. قال أحدهما للآخر بحماس:

«سمعت أن طائفة اليشم السماوي ستبدأ باستقبال التلاميذ الجدد بعد أسبوعين.»

أجابه الآخر:

«هذه فرصتنا لتغيير حياتنا. إن نجحنا في الاختبار وأصبحنا مزارعين، فلن نضطر إلى العيش في هذه البلدة طوال حياتنا.»

توقفت خطوات لين جيانمو للحظة. نظر إلى السيفين، ثم إلى ملابسهما، وتذكر الطاقة الغريبة التي أدخلها الطبيب إلى جسده، والقمرين المعلقين في السماء. تجمعت القطع المتناثرة في ذهنه، ووصل إلى استنتاج لم يكن يتخيل يومًا أنه سيتعامل معه بجدية.

لم ينتقل إلى بلد مجهول.

ولا إلى حقبة قديمة من تاريخ الأرض.

لقد انتقل إلى عالم آخر…

عالم توجد فيه الطاقة الداخلية والطوائف والمزارعون.

عالم الزراعة الروحية.

Leave a Reply